صوتٌ جاء من ناحية النيل، وترك معطفه عند البحر، ثم رقص به في كل فرح في البلد. بدأ سمير الأسمراني مطربًا للترابيزة الأخيرة في قهوة المينا، وانتهى نجمًا لأفراح شعبية لا تعترف بالساعة. اشتهر ببحّته الدافئة، وبأغانٍ تبدو كأن أحلامه كتبتها وهو صاحٍ، وبحفلات تنتهي موسيقيًا قبل أن تنتهي إداريًا.
وُلد سمير سنة ١٩٤٧ في بيتٍ لأسرة من الجنوب استقرت قرب ميناء الإسكندرية. كان أبوه يصلح أجهزة الراديو، وكانت أمه تحفظ أغنيات السفر وتعرف من وقع الخطوات إن كان الزائر جائعًا أم جاء ليحكي. تعلّم سمير أن يلتقط الإيقاع من الدف، وأن يترك للجملة مكانًا تتنفس فيه. وفي طفولته كلّفته قهوة الحارة بنداء أصحاب الطلبات؛ فصار ينادي «اتنين شاي» على لحن امتنع صاحبهما عن استلامهما قبل الإعادة.
02
مدرسة الترابيزة الأخيرة
بدأ الغناء بانتظام سنة ١٩٦٧ في قهوة السقالة، بعد أن غاب المطرب المتفق عليه وتأخر إصلاح الراديو. جمع عازف عود وعازف جيتار وواحدًا من الزبائن كان يدق على علبة سجاير فارغة. اشترط صاحب القهوة ألا يرفعوا الصوت فوق مستوى سماع الحساب، فطوّر سمير أسلوبه القريب من الكلام: صوت دافئ، قرار مريح، وبحّة صغيرة تظهر عند نهاية العتاب. وبعد شهر اعتُمدت الترابيزة الأخيرة مسرحًا، بشرط إخلائها عند وصول طلبات الدومينو.
03
طبلة لا تستأذن
في أواخر السبعينيات طلب منه أحد المعازيم أن «يسخّنها شوية»، فأخذ الطلب حرفيًا. استبدل الساكسفون بالأكورديون والترومبيت، وأضاف طبلة بلدي ومزمارًا، وترك للكورس مهمة الرد عليه. يكتب كلماته من دفتر أحلام يحتفظ به جنب السرير، فيه زرافات بتولّع، وساعات بتسيح، وأفيال برجلين رفيعين. سُئل مرة إن كانت أغانيه منطقية، فقال إن المنطق معزوم على الفرح، لكنه وصل متأخر.
04
أربع أغنيات وفرح واحد
في «مناخيري مش زي بعض» تتركه حبيبته لأن فتحتي أنفه ليستا بالمقاس نفسه، وترحل على زرافة مشتعلة؛ كلمات فؤاد السراب وألحان عزمي الدفوف. وفي «بتنام على رجل واحدة» يحب فتاة لا تنام إلا واقفة على قدم واحدة، فيعرض أن يكون هو السرير؛ كلمات نبيلة الأدراج وألحان عزمي الدفوف. و«صحابي غريبين» جولة في عادات أصحابه، من الرجل الذي يمشّي ظله بسلسلة إلى الذي يحتفظ بالبحر في درج الكومودينو؛ كلمات فؤاد السراب وألحان حمدي الصاجات. أما «الساعة ساحت» فتحكي فرحًا كان حارًا لدرجة أن الساعة سالت على الكوشة؛ كلمات نبيلة الأدراج وألحان حمدي الصاجات. وقد طلبت إدارة القهوة ألا تُذاع الأغنية الأخيرة قبل مواعيد القفل.
05
أرشيف الفنجان المؤجّل
يحتفظ أرشيف عالقهوة بمنديل رسم عليه سمير ترتيب الفرقة، وبمفتاح قهوة لم يُعرف إن كان قد تسلّمه للحفظ أم لمنع الإغلاق. وتضم أوراقه دفترًا عنوانه «آخر طلب»، استُخدم على مدار سبعة مواسم من غير الوصول إلى الصفحة الأخيرة. كان يترك شاله على ظهر الكرسي ثم يعود ليغني، حتى اعتبره الزبائن إشارة إلى أن السهرة لم تنتهِ. وفي الحفل الذي نسي فيه الشال، أُجريت اتصالات للاطمئنان على استمرار البرنامج، قبل أن يتبين أنه وضعه على السماعة.
محطات في السيرة
من دفتر الأيام
أول سهرة في قهوة السقالة بعد تعطل الراديو.
اعتماد الترابيزة الأخيرة مسرحًا مع أولوية الدومينو.
صدور دفتر «آخر طلب» بلا موعد معلن لإغلاقه.
أول فرح في الحارة؛ الساعة تتوقف بعد منتصف الليل لأسباب فنية.
موسم الأفراح: أربع أغنيات وزرافة واحدة لم تُستعَد.
هيه… يا حلاوة… يا حلاوة!
صحيت الصبح لقيت الشمس
قاعدة تفطر في كوبايتي
والمراية بتضحك عليّا
وبتعدّ مناخير حكايتي
حبيبتي بصّت وقالت: يا سمير
الشمال واسع زي الميدان
واليمين قد خُرم الإبرة
ده مش وِشّ… ده خريطة بلدان!
مناخيري مش زي بعض (مش زي بعض!)
واحدة في السما… والتانية في الأرض
قالت لي: مع السلامة… ده مش عرض
وركبت زرافة بتولّع… ولفّت البلد بالطول والعرض!
رُحت لدكتور في السيدة
بصّ بنضّارة من فشار
قال: الشمال فيه أسانسير
واليمين لسه بيدوّر على دار
وكتب لي روشتة على بيضة
قال: اشربها قبل الفطار
ولو اليمين كِبِر شوية
حبيبتك ترجع… ومعاها نهار
مناخيري مش زي بعض (مش زي بعض!)
واحدة في السما… والتانية في الأرض
قالت لي: مع السلامة… ده مش عرض
وركبت زرافة بتولّع… ولفّت البلد بالطول والعرض!
بقيت أتنفّس بالدور
الشمال يوم… واليمين يوم
وفي الجمعة الاتنين بيتخانقوا
مين فيهم يشمّ النوم
وأنا في النص… أرقص وأقول
اتنين مناخير… وقلب واحد مش مهموم!
مناخيري مش زي بعض (مش زي بعض!)
واحدة في السما… والتانية في الأرض
ولو رجعت على الزرافة… أهلاً وسهلاً
بس تنزل… وتسيب النار بره… في العرض!
اتنين مناخير… وقلب واحد… يا ولاد!
آه يا ليل… على رِجل… على رِجل!
حبيبتي مش زي البنات
بتنام واقفة على رجل واحدة
والرجل التانية متعلّقة
في السقف… بتحلم بالمخدّة
زي أبو قردان في الغيط
لابسة القمر بدل الطرحة
وأنا جنبها سهران بالليل
ماسك المنبّه… من الفرحة
نامي يا حلوة على رجل (على رجل!)
والتانية خلّيها للحلم
أنا جنبك واقف للصبح
بغنّي لك… وأشيل الحِمل
هيه يا ولاد… على رجل واحدة!
أمها قالت: من صغرها
بتنام في الطرقة زي اللمبة
وأبوها جاب لها سرير كبير
السرير خاف وطلع السطوح وقعد يتحسّب
قال: أنا مش هشيل حد
بيحلم وهو واقف كده
وأنا قلت: ولا يهمّك يا عمّي
أنا هبقى السرير… وهي الوردة
نامي يا حلوة على رجل (على رجل!)
والتانية خلّيها للحلم
أنا جنبك واقف للصبح
بغنّي لك… وأشيل الحِمل
هيه يا ولاد… على رجل واحدة!
أحلامها بتنزل من ودنها
أدراج أدراج زي الدولاب
أفتح درج ألاقي بحر
وأفتح درج ألاقي باب
والباب يفتح على فرحنا
والمأذون واقف… على رجل… وبيكتب الكتاب!
نامي يا حلوة على رجل (على رجل!)
والفرح كله هيقف معاكي
المعازيم والطبلة والزفّة
كلنا على رجل… فداكي!
هيه يا ولاد… على رجل واحدة!
يا ولاد… يا ولاد… اسمعوا الحكاية!
صاحبي الأولاني حمادة
بيمشّي ضِلّه بسلسلة
كل ما الضل يشدّ منه
يقول له: استنّى… إحنا في مسألة
وصاحبي التاني عم شحاتة
شايل البحر في درج الكومودينو
كل ما يزعل يفتحه شوية
يطلع له سمك… ويقعد يواسيه
صحابي غريبين… غريبين (غريبين!)
بس ولا مرة سابوني لوحدي
صحابي غريبين يا ولاد
واللي مش غريب… مش من عندي!
والتالت بيحب الساعات
بس لما تسيح وتبقى طريّة
يدهنها على العيش الصبح
ويقول: الوقت طعمه حلو النهارده يا مِيّة مِيّة
والرابع جاب فيل برجلين
رفيعين زي عيدان القصب
يركبه ويروح الشغل
ويرجع… والفيل لابس كرافتّة ومعاه شنطة دهب
صحابي غريبين… غريبين (غريبين!)
بس ولا مرة سابوني لوحدي
صحابي غريبين يا ولاد
واللي مش غريب… مش من عندي!
وقعدتنا على القهوة كل ليلة
النمل هو اللي بيوزّع الشاي
والتليفون سمّاعته جمبري
يرنّ… ويقول: أيوه… مين معاي؟
وأنا أضحك وأقول: يا جماعة
الدنيا عاقلة زيادة… والجنان ده هوايا!
صحابي غريبين… غريبين (غريبين!)
بس ولا مرة سابوني لوحدي
صحابي غريبين يا ولاد
واللي مش غريب… مش من عندي!
مش من عندي… مش من عندي!
هيه… الساعة ساحت… الساعة ساحت!
في الفرح الحر كان نار
والساعة اللي على الحيطة ساحت
نزلت على الكوشة بالراحة
وقالت للمعازيم: ارتاحوا… أنا رُحت
العقرب الكبير قعد يرقص
والصغير نام في طبق البسبوسة
والعريس بصّ في إيده
لقى الوقت بيضحك… ومعاه عروسة
الساعة ساحت… والليل ما خلصش
ارقص يا عريس… الفجر ما وصلش
الساعة ساحت… يا حلاوة… يا حلاوة
خلّي الطبلة تدق… والوقت ياخد له أجازة!
المعلّم جاب ساعة تانية
ساحت في إيده وعملت عسل
وأبو العروسة قال: يلا بينا
الساعة بتقول… لسه بدري يا رجل
والقمر نزل من الشباك
وقعد جنب الطبّال يصقّف
والشمس قالت: أنا مش طالعة
غير لما الفرح ده يخلص… وهو مش هيوقف!
الساعة ساحت… والليل ما خلصش
ارقص يا عريس… الفجر ما وصلش
الساعة ساحت… يا حلاوة… يا حلاوة
خلّي الطبلة تدق… والوقت ياخد له أجازة!
يا اللي بتسأل الساعة كام
الساعة كام؟ الساعة… حلاوة!
يا اللي بتسأل إمتى نروّح
نروّح؟ لما الكراسي تنام… وتصحى تاني في القهوة!
الساعة ساحت… والليل ما خلصش
ارقص يا عريس… الفجر ما وصلش
الساعة ساحت… يا حلاوة… يا حلاوة
خلّي الطبلة تدق… والوقت ياخد له أجازة!
بطاقة للنشر
سمير الأسمراني
صوتٌ جاء من ناحية النيل، وترك معطفه عند البحر، ثم رقص به في كل فرح في البلد. بدأ سمير الأسمراني مطربًا للترابيزة الأخيرة في قهوة المينا، وانتهى نجمًا لأفراح شعبية لا تعترف بالساعة. اشتهر ببحّته الدافئة، وبأغانٍ تبدو كأن أحلامه كتبتها وهو صاحٍ، وبحفلات تنتهي موسيقيًا قبل أن تنتهي إداريًا.